بعد تمرد النيجر.. هل تصمد كونفدرالية الساحل؟

أعادت محاولة التمرد الأخيرة في النيجر طرح تساؤلات بشأن قدرة كونفدرالية دول الساحل الأفريقي على مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة، في ظل اتساع نشاط الجماعات المسلحة وتراجع الاستقرار في أجزاء من المنطقة، بالتزامن مع انسحاب النيجر ومالي وبوركينا فاسو من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس».
ولا تقتصر التحديات التي تواجه الكونفدرالية على التطورات في النيجر، إذ تواصل الجماعات المسلحة تعزيز نفوذها في مالي وبوركينا فاسو وتكثيف هجماتها، ما يضع السلطات الانتقالية أمام ضغوط أمنية متزايدة، تتراوح بين الهجمات المباغتة على المواقع العسكرية وفرض الحصار على مدن ومناطق استراتيجية.
وتتزامن هذه التطورات مع أزمات اجتماعية واقتصادية، ما يعزز الدعوات إلى مراجعة الاستراتيجيات الأمنية، وتطوير آليات التنسيق العسكري، والحد من الخلافات داخل المؤسسات العسكرية، بما يساعد على احتواء نفوذ الجماعات المسلحة.
ميثاق ليبتاكو غورما في صدارة الخيارات
شهدت دول الساحل الثلاث انقلابات عسكرية أطاحت بالسلطات السابقة، وأوصلت قادة جددًا إلى الحكم، اتجهوا إلى إنهاء الوجود العسكري الغربي وتعزيز التعاون مع روسيا لمواجهة التحديات الأمنية. ورغم التعهدات باستعادة الاستقرار، لا تزال المنطقة تواجه صعوبات في تحقيق تقدم ميداني واسع على صعيد مكافحة الجماعات المسلحة.
وفي هذا السياق، قال الخبير العسكري المتخصص في الشؤون الأفريقية عمرو ديالو إن الوضع الأمني في منطقة الساحل يثير مخاوف متزايدة، في ظل تصاعد جرأة الجماعات المسلحة في مهاجمة القواعد والقوافل العسكرية، وتهديد حركة إمدادات الغذاء والوقود وغيرها من السلع الأساسية.
وأوضح ديالو أن من الخيارات المطروحة في النيجر تفعيل ميثاق ليبتاكو غورما للدفاع المشترك، الذي يتيح تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو لملاحقة الجماعات المسلحة ومنعها من استغلال الثغرات الأمنية بين الدول الثلاث.
وأشار إلى وجود توجه لتعزيز التعاون مع روسيا، في ظل تأكيد موسكو استعدادها لتقديم مزيد من الدعم، ومساهمتها، بحسب التصريحات المتداولة، في إحباط محاولة التمرد الأخيرة.
الانفتاح على «إيكواس» يعود إلى الواجهة
تتزايد المخاوف من اتساع نطاق سيطرة الجماعات المسلحة، خصوصًا بعد الهجمات وعمليات الحصار التي شهدتها مناطق في مالي. ومن أبرز هذه الجماعات «نصرة الإسلام والمسلمين»، التي سبق أن فرضت حصارًا على العاصمة باماكو ومدن مالية رئيسية، في تطور كشف حجم الضغوط التي تواجهها السلطات.
واعتبر المحلل السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد إدريس أن التطورات الأخيرة في مالي والنيجر تعكس إخفاقات في المقاربات الأمنية التي اعتمدتها المجالس العسكرية الحاكمة، مشيرًا إلى أن الجماعات المسلحة باتت قادرة على الاستيلاء على معسكرات عسكرية كاملة، فيما تواجه السلطات تحديات تتعلق بولاء بعض الوحدات العسكرية.
وأضاف أن تقارير متداولة في مالي والنيجر تتحدث عن مؤشرات إلى انفتاح دبلوماسي أكبر على «إيكواس»، مع إبداء باماكو ونيامي مرونة في التعامل مع المجموعة الإقليمية، وهو ما قد يمهد، بحسب تقديره، لاستئناف التنسيق والتعاون العسكري.
ورأى إدريس أن استعادة قنوات التعاون مع المجموعة قد تفتح المجال أمام انفراجة أمنية، إذا تُرجمت الاتصالات الدبلوماسية إلى خطوات عملية.
بين التحالفات الإقليمية والدعم الخارجي
تواجه كونفدرالية دول الساحل اختبارًا يتجاوز قدرتها على احتواء الهجمات المسلحة، ليشمل مدى فاعلية تحالفاتها الإقليمية وخياراتها في التعاون مع القوى الخارجية. ففي الوقت الذي تراهن فيه الدول الثلاث على التنسيق العسكري المشترك وتعزيز شراكتها مع روسيا، يبرز احتمال استئناف التعاون مع «إيكواس» بوصفه أحد المسارات المطروحة للتعامل مع التحديات الأمنية.
لكن نجاح هذه الخيارات يبقى مرتبطًا بقدرة السلطات على تحويل الاتفاقات السياسية والعسكرية إلى إجراءات ميدانية مؤثرة، وتحسين حماية المدن وخطوط الإمداد، ومعالجة الثغرات التي تستغلها الجماعات المسلحة.
وفي ظل استمرار الضغوط الأمنية والاقتصادية، ستحدد قدرة دول الكونفدرالية على تنسيق جهودها وتجاوز الخلافات الداخلية مدى نجاحها في احتواء التهديدات، واستعادة الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق القارة الأفريقية اضطرابًا.




